سيد محمد طنطاوي

119

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله « تلبسونها » أي : تلبسها نساؤكم ، وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهم ، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم سبب لتزينهن ، فإنهن يتزين ليحسن في أعين الرجال ، فكأن ذلك زينتهم ولباسهم . قال القرطبي : « امتن ، اللَّه - تعالى - على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر ، فلا يحرم عليهم شيء منه ، وإنما حرم اللَّه - تعالى - على الرجال الذهب والحرير ، ففي الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - قال : قال رسول صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة » . وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب . . ، فاتخذ الناس مثله ، فرمى به وقال : « لا ألبسه أبدا » . ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتم الفضة . . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيه ) * نعمة ثالثة من نعمه - تعالى - في تسخير البحر للناس وأصل المخر : الشق . يقال : مخر الماء الأرض إذا شقها . ويقال مخرت السفينة تمخر ، وتمخر ، مخرا ، ومخورا ، إذا جرت في الماء وأخذت تشقه بمقدمتها . أي : وترى - أيها العاقل - بعينيك السفن وهي تشق البحر بسرعة ، متجهة من بلد إلى بلد ، ومن قطر إلى آخر ، لا تحرسها إلا رعاية اللَّه تعالى وقدرته ، كما قال - سبحانه - : وآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . وخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِه ما يَرْكَبُونَ . وإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ولا هُمْ يُنْقَذُونَ . إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا ومَتاعاً إِلى حِينٍ « 2 » . والتعبير بقوله : « وترى . . » لاستحضار الحالة العجيبة عن طريق الرؤية البصرية ، وهي حالة تدل على قدرة اللَّه تعالى ورحمته بعباده . حيث سخر لهم السفن لتجرى في البحر بأمره . ثم بين - سبحانه - النعمة الرابعة من نعم تسخير البحر للناس فقال تعالى : * ( ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه ) * والابتغاء : الطلب للشيء عن رغبة ومحبة . أي : وسخر لكم البحر - أيضا - لتستخرجوا منه الحلية ، ولتطلبوا فضل اللَّه تعالى

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 87 . ( 2 ) سورة يس الآيات 41 - 44 .